فصل: ديوان الأعمال والجبايات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» (نسخة منقحة)



.ديوان الأعمال والجبايات:

اعلم أن هذه الوظيفة من الوظائف الضرورية للملك وهي القيام على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج وإحصاء العساكر بأسمائهم وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم في إباناتها والرجوع في ذلك إلى القوانين التي يرتبها قومه تلك الأعمال وقهارمة الدولة وهي كلها مسطورة في كتاب شاهد بتفاصيل ذلك في الدخل والخرج مبني على جزء كبير من الحساب لا يقوهم به إلا المهرة من أهل تلك الأعمال ويسمى ذلك الكتاب بالديوان وكذلك مكان جلوس العمال المباشرين لها ويقال أن أصل هذه التسمية أن كسرى نظر يوما إلى كتاب ديوانه وهم يحسبون على أنفسهم كأنهم يحادثون فقال ديوانه أي مجانين بلغة الفرس فسمي موضعهم بذلك وحذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفا فقيل ديوان ثم نقل هذا الاسم إلى كتاب هذه الأعمال المتضمن للقوانين والحسبانات وقيل أنه اسم للشياطين بالفارسية سمي الكتاب بذلك لسرعة نفوذهم في الأمور ووقوفهم على الجلي معها والخفي وجمعهم لما شد وتفرق ثم نقل إلى مكان جلوسهم لتلك الأعمال وعلى هذا فيتناول اسم الديوان كتاب الرسائل ومكان جلوسه بباب السلطان على ما يأتي بعد وقد تفرد هذه الوظيفة بناظر واحد ينظر في سائر هذه الأعمال وقد يفرد كل صنف منها بناظر كما يفرد في بعض الدولي النظر في العساكر وإقطاعاتهم وحسبان أعطيه لهم أو غير ذلك على حسب مصطلح الدولة وما قرره أولوها واعلم أن هذه الوظيفة إنما تحدث في الدول عند تمكن الغلب والاستيلاء والنظر في أعطاف الملك وفنون التمهيد وأول من وضع الديوان في الدولة الإسلامية عمر رضي الله عنه يقاد لسبب مال أتى به أبو هريرة رضي الله عنه من البحرين فاستكثروه وتعبوا في قسمه فسموا إلى إحصاء الأموال وضبط العطاء والحقوق فأشار خالد بن الوليد بالديوان وقال: رأيت ملوك الشام يدونون فقبل منه عمر وقيل بل أشار عليه به الهرمزان لما رآه يبعث البعوث بغير ديوان فقيل له ومن يعلهم بغيبة من يغيب منهم فإن من تخلف أخل بمكانه وإنما يضبط ذلك الكتاب فأثبت لهم ديوانا وسأل عمر عن اسم الديوان فعبر له ولما اجتمع ذلك أمر عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وخبير بن مطعم وكانوا من كتاب قريش فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية على ترتيب الأنساب مبتدأ من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بعدها الأقرب فالأقرب هكذا كان ابتداء ديوان الجيش وروى الزهري بن سعيد بن المسيب أن ذلك كان في المحرم سنة عشرين وأما ديوان الخراج والجبايات فبقي بعد الإسلام على ما كان عليه من قبل ديوان العراق بالفارسية وديوان الشام بالرومية وكتاب الدواوين من أهل العهد من الفريقين ولما جاء عبد الملك بن مروان واستحال الأمر ملكا وانتقل القوم من غضاضة البداوة إلى رونق الحضارة ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة وظهر في العرب ومواليهم مهرة في الكتاب والحسبان فأمر عبد الملك سليمان بن سعد والي الأردن لعهده أن ينقل ديوان الشام إلى العربية فأكمله لسنة من يوم ابتدائه ووقف عليه سرحون كاتب عبد الملك فقال لكتاب الروم: اطلبوا العيش في غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم وأما ديوان العراق فأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن وكان يكتب بالعربية والفارسية ولقن ذلك عن زادان فروخ كاتب الحجاج قبله ولما قتل زادان في حرب عبد الرحمن بن الأشعث استخلف الحجاج صالحا هذا مكانه وأمره أن ينقل الديوان من الفارسية إلى العربية ففعل ورغم لذلك كتاب الفرس وكان عبد الحميد بن يحيى يقول لله در صالح ما أعظم منته على الكتاب ثم جعلت هذه الوظيفة في دولة بني العباس مضافة إلى من كان له النظر فيه كما كان شأن بني برمك وبنى سهل بن نوبخت وغيرهم من وزراء الدولة وأما ما يتعلق بهذه الوظيفة من الأحكام الشرعية مما يختص بالجيش أو بيت المال في الدخل والخرج وتمييز النواحي بالصلح والغنوة وفي تقليد هذه الوظيفة لمن يكون وشروط الناظر فيها والكاتب وقوانين الحسبانات فأمر راجع إلى كتب الأحكام السلطانية وهي مسطورة هنالك وليست من عرض كتابنا وإنما نتكلم فيها من حيث طبيعة الملك الذي نحن بصدد الكلام فيه وهذه الوظيفة جزء عظيم من الملك بل هي ثالثة أركانه لأن الملك لا بد له من الجند والمال والمخاطبة لمن غاب عنه فاحتاج صاحب الملك إلى الأعوان في أمر السيف وأمر القلم وأمر المال فينفرد صاحبها لذلك بجزء من رئاسة الملك وكذلك كال الأمر في دولة بني أمية بالأندلس والطوائف بعدهم وأما في دولة الموحدين فكان صاحبها إنما يكون من الموحدين يستقل بالنظر في استخراج الأموال وجمعها وضبطها وتعقب نظر الولاة والعمال فيها ثم تنفيذها على قدرها وفي مواقيتها وكان يعرف بصاحب الأشغال وكان ربما يليها في الجهات غير الموحدين ممن يحسنها ولما استبد بنو أبي حفص بأفريقية وكان شأن الجالية من الأندلس فقدم عليهم أهل البيوتات وفيهم من كان يستعمل ذلك في الأندلس مثل بني سعيد أصحاب القلعة جوار غرناطة المعروفين ببني أبي الحسن فاستكفوا بهم في ذلك وجعلوا لهم النظر في الأشغال كما كان لهم بالأندلس ودالوا فيها بينهم وبين الموحدين ثم استقل بها أهل الحسبان والكتاب وخرجت عن الموحدين ثم لما استغلظ أمر الحاجب ونفذ أمره في كل شأن من شؤون الدولة تعطل هذا الرسل وصار صاحبه مرؤوسا للحاجب وأصبح من جملة الجباة وذهبت تلك الرئاسة التي كانت له في الدولة وأما دولة بني مرين لهذا العهد فحسبان العطاء والخراج مجموع لواحد وصاحب هذه الرتبة هو الذي يصحح الحسبانات كلها ويرجع إلى ديوانه ونظره معقب بنظر السلطان أو الوزير وخطه معتبر في صحت الحسبان في الخارج والعطاء هذه أصول الرتب والخطط السلطانية وهي الرتب العالية التي هي عامة النظر ومباشر للسلطان وأما هذه الرتبة في دولة الترك فمتنوعة وصاحب ديوان العطاء يعرف بناظر الجيش وصاحب المال مخصوص باسم الوزير وهو الناظر في ديوان الجباية العامة للدولة وهو أعلى رتب الناظرين في الأموال لأن النظر في الأموال عندهم يتنوع إلى رتب كثيرة لانفساح دولتهم وعظمة سلطانهم وأتساع الأموال والجبايات عن أن يستقل بضبطها الواحد من الرجال ولو بلغ في الكفاية مبالغة فتعين للنظر العام منها هذا المخصوص باسم الوزير وهو مع ذلك رديف لمولى من موالي السلطان وأهل عصبيته وأرباب السيوف في الدولة يرجع نظر الوزير إلى نظره ويجتهد جهده في متابعته ويسمى عندهم أستاذ الدولة وهو أحد الأمراء الأكابر في الدولة من الجند وأرباب السيوف ويتبع هذه الخطة خطط عندهم أخرى كلما راجعة إلى الأموال والحسبان مقصورة النظر إلى أمور خاصة مثل ناظر الخاص وهو المباشر لأموال السلطان الخاصة به من إقطاعاته أو سهمانه من أموال الخراج وبلاد الجباية مما ليس من أموال المسلمين العامة وهو تحت يد الأمير أستاذ الدار وإن كان الوزير من الجند فلا يكون لاستاذ الدار نظر عليه ونظر الخاص تحت يد الخازن لأموال السلطان من مماليكه المسمى خازن الدار لاختصاص وظيفتهما بمال السلطان الخاص هذا بيان هذه الخطة بدولة الترك بالمشرق بعد ما قدمناه من أمرها بالمغرب والله مصرف الأمور لا رب غيره.